جارِ التحميل...
جارِ التحميل...

" هكذا تصنعون طواغيتكم، تأتونهم ضعفاء فيعطونكم من دنياهم، ويأخذون من دينكم فتُسلمونَ لهم رقابكم، فلا يأمرونكم إلا بطغيان، ولا يرضون عنكم إلا بالخروج من دينكم ". الحرُّ بن يزيد الرياحي
الطغيان ليس وليد اللحظة، ولا يقتصر على زمنٍ بعينه فهو نتاجُ الصمت وانهيارُ القيم وتقديس الفرد حتى يصبح فوق المحاسبة، فالطاغيةُ لا يولدُ طاغيةً بل يصنعُ كما تصنعُ الأساطير شيئاً فشيئا، حتى يرسخ عنده أنه في مرتبة لا يُمسّ فيها، بل إلاهاً يسيرُ في الناس ولا يُسأل عما يفعل، فينصّب نفسه المشرّع والقاضي والجلاد، يسوق الشعوب سوقاً حيث مراده، فإن رأى منهم تفلتاً وانحيازاً عن طريقه ساقهم بالسوط وأشنع طرق العذاب، يحمل على كتفه بضاعة الكساد فهذه حرفةُ الطغاة حيثما حلّوا كان قرينهم الفساد.
نصنعُ الطغاة حين نهتف للأفراد ونمجّد فِعالهم، مغيّبين عقولنا متناسين المبادئ والأفكار ضاربين بها عرض الحائط، نصنعهم حين نغفلُ عن أخطائهم ونكمم أفواهنا، فبذرة الطغاة الصمت، يتطور الطغيان شيئاً فشيئا، فهو يبدأ بتسيير الخلق لما هو يريد، ومن ثم تغيير الخلق وطمس الفطرة السليمة.
" مهمةُ الطغاة أن تجبر أحدهم على شيءٍ لم يُخلق له،
وأن تربي آخر على رفض العودةِ لما خُلِق له "
أحمد بن فتحي الصرفندي
التاريخ مليءٌ بأمثلة الطغيان وأسياده، وأشهر الأمثلة تضرب في طاغية مصر " فرعون " الذي قال: " أنا ربكم الأعلى " لم يكن لفرعون أن يبلغ هذا العلو لولا قومه واستخفافه بعقولهم، والدليل قوله تعالى: " فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين " ( سورة الزخرف:٥٤ ).
فالطاعةُ العمياء للسلطة تصنعُ الظلم وتسوّغه وتأذن بخروج الطاغية، ولا زلت في صدمةٍ وأنا أقرأ صفحات التاريخ حين أقنع إمبراطور روما " نيرون " حاشيته بحرق المدينة التي يقطنوها؛ ليرى النار ويعزف قيثارته على أنغام الضحايا، وظل حاكماً متحصناً بحاشيته!
" وإنك لن تجد طاغيةً بلا جيشٍ من العبيد "
كونفوشيوس: مؤسس الفلسفة الكونفوشيوسية
وإن الطغاة كالأدخنة لا يرتفعون إلا على رؤوس المحترقين، وإن الذي دفع الطغاة ليتسلقوا رقاب المحترقين هو الخوف الذي شلّ عقولهم فجعلهم ينساقون نحو طغاتهم بحثاً عن الأمان عندهم والابتعاد عن جبروتهم، ولا شك في أن الطغاة يبدعون في تعبيد الطرق نحو الاستبداد المطلق، فتجدهم يسخّرون الإعلام لتلميع صورهم وشيطنة خصومهم، يستخدمون الدعاية الدينية التي تسوّغ جرائمهم تحت بند الطاعة لولي الأمر وما هي بذلك، فهم تناسوا أن الفهم يسبق التبعية.
ذات يوم حضر علي عزت بيغوفيتش -الفيلسوف والمفكر رئيس البوسنة والهرسك- صلاة الجمعة متأخراً فأفسح له الحضور ليتقدم الصفوف الأولى، فجلس متأخراً آخر الصفوف وقال المقولة الشهيرة: " هكذا تصنعون طواغيتكم ".
" فليس أخطر من الطاغية إلا الذين يصنعونه "
جمال الدين الأفغاني
لا سلطان يدوم ولا طاغيةَ يُخلّد، فتبقى الشعوب وفيها صُنّاع الطغاة، فهم من يأذنون للطاغية أن تخرج من جديد، يبدأون صناعتهم بكذبة وتتضخم بخوفٍ وتُكرّسُ بعبودية، وكما خلّد القرآن صناعة الطاغية فرعون واستخفافه بقومه، بيّن لنا كيف جسّد الطغيان الخوف في النفس قامعاً فيها كل شيءٍ حتى مجرد التفكير بالشيء فقال تعالى: " وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري " ( القصص: ٣٨ ).
فهو يقطع عليهم الطريق قبل أن يقوموا بمحاكمة بين أنفسهم ويفكروا مجرد تفكير بأي شيءٍ ربما يقودهم للحقيقة.
" الطغاة يخلقون الثورات والثورات تخلق الطغاة "
الإيطالي نيكولو ميكافيللي
في حين أن الطغاة يسوقون الشعوب للقتل والاستبداد وسلب الحريات، ويرهقونهم بالقهر والتجويع، فكل هذا لا بدّ وأن يورّث فيهم الغضب والتمرد والثأر، وعلى إثر هذا تنفجر الشعوب وتولد الثورات كنتيجة طبيعية لهذا الأمر، فإذا نجحت الثورات تشعر أن الشعوب متعطشة لحاكمٍ عادل فتأتي بمن قاد الثورة وساهم فيها فتضعهم على منصة الحكم، وللأسف تقع في ذات الدائرة التي خرجوا منها لتوّهم فيمجدون قادة الثورة ويرفعون لهم الشعارات، ويذعنوا لهم إذعاناً فيصنعون لهم طاغيةٍ من جديد، فالثورة ليست بالضرورة انتهاءً للاستبداد فربما تكون ميلاداً جديداً له.
في زماننا هذا كثُر الطغاة لكثرةِ صانعيهم، فكم من حاكمٍ يقود الشعوب والقول عندهم ما قال سيدهُم والفعلُ ما فعل.
" الطغيانُ يبدأ عندما تصبح الطاعةُ فضيلة، والنقدُ خيانة "
مونتسكيو
لا شك في أن الطاعة في ديننا الحنيف واجبة على الشعوب تجاه ولي أمرهم، ولكن ليست تلك الطاعةُ المطلقة العمياء، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا طاعة قبل الفهم، والطاعةُ المطلقة لله عزوجل فقط، والنقد البنّاء أساس البِناء، وما غابت الشورى عن قومٍ إلا وقد ضلوا الطريق.
ولم تذكر صفحات التاريخ أن طاغيةً تنازل عن منصبه طوعاً وأذن للشعوب بحريتها، بل كانت تنتزعُ الحرية من أنياب الطغاة نزعاً، ويبقى الوعي سيد السيوف في وجه الطغاة، فهو الذي يسوق الشعوب لكي ترى الأمور على حقيقتها فيكشف الأقنعة ويعيد كل شيءٍ لمكانه الطبيعي، وإن الأمة التي تنتزع حريتها وتطمس طغاتها وتبذل في سبيل ذلك الغالي والنفيس، هي أمةٌ راشدة تُدرك أن كرامتها أغلى من فتاتِ عيش، وأن صوتها لا يقيّده خوف، وأنها لا تخضع لتنويمٍ ممنهج فهي تملك البصر والبصيرة وإن كانت بأقل الأدوات، وأضعف الإيمان في ذلك الكلمة ولا شيء سواها، وإن وقع الكلمة من الشعوب لا يقل عن وقع السيفِ من الجيوش، تخرج في وجه الطغاة من الأخيار فيدوّنها الأحرار، ينطقُ بها على المنابر المفوهون الأبرار، وتكتب بها القصائد والأشعار، ويلهم بها الشعوب، ربما تُسجَن وتُمنَع ولكنها لا تُعدَم، فحتماً لها ميلادٌ جديد في طفلٍ يقرأ صفحاتٍ كُتب لها النجاةُ من بطشِ الطغاة.
وأعظم ما في وعي الأمم، أن تهتم بالعمل وألا تلتفت للنتائج وكُلفتها، فإن الأمة إن سُئلت لن تُسأل عن تأخر سقوط طغاتها، بل ستسأل عما قدمت لذلك.
لا سلطان يدوم ولا طاغيةَ يُخلّد، وما بين الطغيان والحرية نهايةُ صمت ونهضة شعب.